|
القول الفصل في ما ليس له أصل في ما يُنسبٌ لمن نَسِيَ القرءان الكريم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى لا سيما نبينا المصطفى وعلى ءاله وصحبه أولي الصدق والوفا . اعلم انه لا أصل لما يقال : إنّ من حفظ شيئا من القرءان ثم نسيه فهو من الذنوب الكبيرة ، فهو ليس من الذنوب الصغيرة فضلا عن اي يكون كبيرة . وليُعلم أن حفظ القرءان الكريم من فروض الكفاية أي إن قام به البعض سقط عن البعض الآخر ، فليس حفظ القرءان من فروض العين ، فلا يجب على جميع المسلين إلا الفاتحة ، فحفظها فرض عين على كل مكلف ، والفرق بينهما جلي . وهذا المعنى إجماع من الأمة ، ظاهر لا يخفى ، فلا يُخرج عنه – تحت اسم الحث على حفظ القرءان – إي القول : إن من حفظ شيئا من القرءان ثم نسيه أو نسي بعضا منه بمعنى نقص حفظه عما كان ، عليه معصية كبيرة ، بل ذلك غلوٌّ يؤدي إلى جعل الحرج في الدين وإلى عكس مقصود القائل به ، حيث ينفر الناس عن حفظ القرءان ولو القليل منه ، بدل تشجيعهم على حفظه ، لئلا يقعوا في الكبيرة إذا نسوا منه شيئا . وهل أمر النسيان بيد الشخص ؟ وما سُمّيَ الإنسان إنسانا إلا لنسيه ، ولا القلب قلبا إلا لأنه يتقلّب ، وإلا لكان لا يكاد يسلم شخص واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الكبائر على زعمه . وهذا الفهم – أي القول : إن من نسي شيئا من القرءان يكون واقعا في كبيرة – مصادم ومعارض للإجماع كما تقدّم ، وللنصوص الحديثية الصحيحة والصريحة التي يأتي بيانها ، ولكن يجدر قبل ذكرها التنويه بالقاعدة الشرعية التي تقول : إن القرآن لا يعارضُ بعضُهُ بعضًا ، والحديث لا يعارض بعضه بعضا ، وكذلك القرآن لا يعارض الحديث الثابت ، والحديث الثابت لا يعارض القرءان . فمن هذه الأحاديث : 1 - روى ابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وهو حديث مشهور على ألسنة الناس ، وقال الحافظ النووي في " الأربعين النووية " عنه : " حديث حسن " . 2 – روى البخاري في صحيحه من طريق عائشة أنها قالت : سمع رسول الله صلى الله عليه وسم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال : " يرحمه الله ، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا " . هذا مع ملاحظة ما قاله الحافظ العسقلاني : " فأما قبل التبليغ فلا يجوز عليه النسيان أصلا " . والمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينسى الآية قبل أن يبلّغها للناس . 3 - وكذا الحديث الذي أروده الشيخ محمد الحامد : رُويَ في مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة ، فلما فرغ منها قال : " أفي القوم أُبيّ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : " فلم لم تذكّرني " ؟ قال : خشيت أنها رُفعت " فقــال النبي صلى الله عليه وسلم : " لم تُرفع ولكني نُسّيتها " . فهل يقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ارتكب كبيرة لمجرد ذلك ؟!!! وهل يقال : إن الإمام ، أيّ إمام ، إن نسي في صلاته آية كان عاصياً ؟! هذا حرجٌ ، وديننا ليس فيه حرج . أضف إلى ذلك الآتي : إن أهل العلم على أن الحديث وإن رُويَ من طريق بعض الثقات إن خالف مضمونه رواية من هو أوثق منه ، أي مع كونه لا يقبل الجمع بينهما فهو حديث شاذ يُرَدُّ ، ولا يُعمل به ، فكيف إن كان الحديث الذي يقابل الأحاديث الصحيحة حديثا ضعيفا ؟! وكيف يُقبل هذا الحديث الذي رواه أبو داود : " عُرضت عليّ ذنوب أمتي ، فلم أر ذنبا أعظم من آية أوتيها رجل ثم نسيها ، " وقد تكلم فيه الترمذي كما صرّح بذلك الحافظ النووي في " روضة الطالبين " وقال عنه " ضعيف " . وكذا قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" وهاك نص الترمذي في جامعه : " حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه " ، قال : وذاكرت به محمد بن إسماعيل – يعني البخاري – فلم يعرفه واستغربه " . وقال محمد – أي البخاري - : لا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا قوله : حدّثني من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم " . وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول : " لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " . قال عبد الله : " وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس " . وكذا الحديث : " من قرأ القرآن ثم نسيه لقيَ الله وهو أجذم " ، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر : " وفي إسناده مقال " . فالحاصل : إن هذين الحديثين وإن رُويا وذُكرا في بعض كتب الحديث ، فلا يقاومان حديث ابن ماجه والبيهقي والذي صرّح النووي بأنه حديث حسن ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . ولا يقاومان حديث البخاري الآنف الذكر : " يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أُنسيتها " وفي رواية أحمد " نُسّيتها " . تنبيه مهم : كيف يجوز على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن نسيان آية أعظم من كل الذنوب ؟ ظاهر هذا الحديث هكذا ، هذا شيء لا يُعقل ، ومن المعلوم أن من أكبر الكبائر عدة معاص ، وأكبر الكبائر الكفر . وظاهر هذا الحديث أنه أعظم من الزنا والسرقة ، والرسول صلى الله عليه وسلم بريء من هذا القول . روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد : " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أيّ الذنوب أعظم عند الله ؟ قال : " أن تجعل لله ندًّا وهو خَلَقَكَ " ، قال : ثم أيّ؟ قال : " أن تقتل ولدك خشية إملاق " ، قال : ثم أيّ؟ قال : " أن تزاني حليلة جارك " . وفي " المصباح المنير " للعلامة أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقرئ في مادة ن س و : " ونسيت الشيء أنساه نسيانا مشترك بين معنيين : ترك الشئ على ذهول وغفلة ، وذلك خلاف الذكر له ، والثاني الترك على تعمُّد، وعليه : ( ولا تنسَوُا الفضلَ بينكم ) البقرة / 237 . أي لا تقصدوا الترك والإهمال . ا.هـ ومثال ذلك في القرءان كثير ، ومنه ما في سورة الأعراف : ( قالوا إنّ الله حرّمَهُما على الكافرين ، الذين اتّخذوا دينَهم لهوًا ولعبًا وغرَّتهُمُ الحياةُ الدنيا فاليومَ ننساهم كما نَسُوا لقاءَ يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ) الأعراف / 51 . وقال السّدّي : " نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا " . وكذا تتمة هذه الآيات : ( يوم يأتي تأويلهُ يقولُ الذين نسوهُ من قبلُ قد جاءَتْ رُسُلُ ربّنا بالحقّ ) الأعراف / 63 ، أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا . وكذلك قال أهل العلم في قوله : ( قال كذلك أتتكَ ءاياتُنا فنَسيتَها وكذلك اليومَ تُنسى ) طه / 126 ، أي لما أعرضت عن آيات الله كذلك اليوم تترَك من رحمة الله . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
|